ابن أبي مخرمة
11
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
فلما علم الأكحل بما اتفق على التكريتي من القبض عليه وعلى ما معه . . أرسل إليه بمركب آخر وقال : يترك له عند بعض عدول البلد ينفقه منه ، ويكسوه حتى يأتيه الفرج ، فلما بلغ الخبر سيف الإسلام . . تعجب ، فقال : يحق لمادح هذا أن يقول ما شاء ، وأطلق التكريتي ، وأطلق عليه ما أخذ منه . ومما يحكى من كرم هذا السلطان وجميل فعله أن جماعة من أعيان حضرموت قصدوه بهدايا تليق بأحوالهم ، وصحبهم فقير ، فسمعهم الفقير يذكرون السلطان بالجود والكرم ، ويذكر كل منهم ما معه من الهدايا ، فاجتنى الفقير ضغثا من الأراك الذي يستاك به عددهم سبعة ، وجعلهم حزمة ، فلما وصلوا مرباط ، ودخلوا على السلطان بهداياهم . . دخل معهم الفقير وسلم ، ووضع ما معه من الأراك بين يدي السلطان وأنشد : - [ من الوافر ] جعلت هديتي لكم سواكا * ولم أقصد به أحدا سواكا بعث إليك ضغثا من أراك * رجا أني أعود وأن أراكا « 1 » فأمر بأن تخلى لهم بيوت ، وللفقير مثلهم ، وأرسل للفقير بجاريتين ووصيف يخدمونه مدة إقامته ، وكذا كان يفعل لكل ضيف يصله ، فلما عزم الفقير على الرجوع إلى بلاده . . أمرهم أن يعطوه من كل شيء في خزائنه سبعة أجزاء ؛ أي : مما كان يوزن بالبهار كالحديد والقار يعطى منه سبعة أبهرة ، وما يوزن بالمن كالزعفران ونحوه يعطى منه سبعة أمنان ، وكذلك ما يباع بالمكيال كيلا والموزون وزنا سبعا سبعا . وبالجملة : فمكارم هذا السلطان المذكور كثيرة . وتوفي على أحسن حال من العفاف والعدل بعد استكمال ست مائة من الهجرة ، وقبر بين مرباط وظفار . قال الجندي : وذكر الثقات أن كثيرا ما يسمع من قبره قراءة القرآن ، ولم يكن له عقب ، ولا في أهله من يتأهل للملك ، وكان محمد بن أحمد الحبوضي يتجر له ، فقام بالملك بعده ) « 2 » .
--> ( 1 ) . البيتان نسبهما أبو منصور الثعالبي في « يتيمة الدهر » ( 4 / 492 ) إلى أبي سعيد عبد الرحمن بن محمد بن دوست . ( 2 ) « السلوك » ( 1 / 456 ) .